أبو العباس الغبريني
191
عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية
عرض عليه القضاء فامتنع منه ، فشد عليه فيه ، فأشار عليه بعض أصحابه ان يلي ويتصرف في أموره التصرف الشرعي ، ليكون ذلك سببا لقوله فكان كذلك . ولي بلدة « القيروان » فوقعت معارضة بين المكّاس وبين بعض أهلها فدعي اليه ، وقال لهم : ليس في الشريعة مكس وضرب المكّاس وطيف به ، فنهى الامر إلى الولاة بحاضرة إفريقية فامروا بعزله وقالوا هذا لا يصح للولاية ، فوصل مرفعا مكرما وما زال عاكفا على العلم والعمل إلى أن مات رحمه اللّه . دخل بجاية في مدة اجتيازه إلى المشرق ، وذكر لنا صاحبنا الفقيه أبو عبد اللّه الحدميوتي ( كذا ) وفقه اللّه عنه أنه قال : وصلت وصحبني رجل من اعلام المتقين ومن عباد اللّه الصالحين من أهل المغرب ، فلما حللنا بالجزائر عرضت له إقامة هناك فتقدمته إلى بجاية ، فأقمت بها الذي أقمت وانفصلت عنها ، ثم وصل الرجل المذكور بعدي فتلقاه الناس وأقبلوا عليه فاستضافه رجل من أهلها وأخذ في إكرامه ، ولما حضر وقت صلاة المغرب : صلّى الفرض وصلّى بعده ركعتين ولم يزد على ذلك شيئا ولما حضر وقت صلاة العشاء صلّى الرجل ركعتين قبل العشاء وأدى الفريضة والوتر بشفعه ولم يزد على ذلك ، ولما أصبح الناس لزيارة الرجل والتبرك به ، تلقاهم رب المنزل وهو يشير لهم انه ليس هناك كبير عمل ، فكوشف الشيخ بذلك وكان على قدم الحركة مستعجلا ، فاستخار اللّه فصرف أصحابه وخدامه وطلب الإقامة عند الرجل الذي انزله ، فأقام عنده ثلاثين يوما وليلة لم يأكل فيها طعاما ولا يشرب فيها ماء ، ولا زاد في حال العبادة شيئا سوى أداء الفرائض ، وانما هو مجرد وصال ، ولما تمت الثلاثون يوما قال للرجل : انا انصرف ، وقال له : ما أقمت عندك هذه المدة الا لئلا تزدري بأولياء اللّه تعالى إذا رأيتهم يؤدون الفرائض ويقتصرون عليها ، واي فضل أعظم من أداء الفرائض إذا فعلها الفاعل على حقيقتها وارتكب جميل طريقتها ؟ وهذا الرجل انما كان من أهل العرفان ، وانما كانت عبادته في في فكرته ، ولكن العامة ما يرون الفضل الا لمن يكثر الركوع والسجود والصيام وان كان جاهلا ، وذلك لعدم تمييزهم وقلة علمهم .